محمد متولي الشعراوي
3022
تفسير الشعراوى
فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام دقيق . وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج ب « افعل كذا ولا تفعل كذا » فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج ، وتصرفت في حياتك بمنهج اللّه ويكون الميزان معتدلا . إذن فقد أعطانا الحق معطيات عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى الإيمان . وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق ؛ لأن الإنسان طرأ عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان . ولا أحد من البشر يدعى أنه صنع هذا الكون . إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق ، والدعوى حين تسلم من الضعف ، أتكون صادقة أم غير صادقة ؟ تكون صادقة تماما . واللّه هو الذي قال إنه خلق السماء والأرض والكون . ولم يأت مدع آخر يقول لنا : إنه الذي خلق . إذن يثبت الأمر للّه إلى أن يوجد مدع ، ومع توالى الأزمنة وتطاولها لم يدع ذلك أحد . وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشرى أن يفكر ويقدح الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون ، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ليحل له هذا اللغز . وقد جاءت الرسل لتحل هذا اللغز ولتدلنا على مطلوب عقلي فطرى ، ولو أننا سلسلنا الوجود لوجدنا أن الإنسان هو سيد هذا الوجود ؛ لأن كل الكائنات تعمل وتجهد في خدمته . وأجناس الوجود كما نعرفها التي تخدم الإنسان هي الحيوان ويتميز عنه الإنسان بالعقل ، وهناك جنس تحت الحيوان هو النبات فيه النمو ، وهناك جنس أدنى وهو الجماد . وكل هذه الأجناس مهمتها خدمة الإنسان . والجماد ليس هو الشئ الجامد ، بل الهواء جماد والشمس جماد والتربة جماد ، وكل ذلك يمارس مهمته في الوجود لخدمة الأجناس الأعلى منها ويستفيد الإنسان منها جميعا والحيوان يستفيد من الجماد وكذلك النبات يستفيد من الجماد ، والحيوان يستفيد من النبات والجماد ، والمحصلة النهائية لخدمة الإنسان . أليس من اللائق والواجب - إذن - أن يسأل الإنسان نفسه من الذي وهبه هذه المكانة ؟ فإذا جاء الرسول ليحل هذا اللغز ويبلغنا أن الذي خلق الكون هو اللّه وهذه صفاته ، ويبلغنا أن هذا المنهج جاء من اللّه ويحمل معه معجزة هي دليل صدق